الاثنين، 7 مايو، 2012

حلايب و شلاتين والنزاع المصري السوداني .


*نبذة عن حلايب وشلاتين وأهميتها للدولتين .
تقع منطقة حلايب وشلاتين على الحدود الرسمية بين مصر والسودان وتبلغ مساحتها20 ألف كيلو متر مربع على ساحل البحر الأحمر وحلايب تقطنها قبائل تمتد بجذورها التاريخية بين الجانبين كما تتنقل هذه القبائل بسهولة عبر الحدود لأن وجودها كان سابقاً على رسم الحدود وبها نقطة وطريق يربط بينها وبين السويس عبر بئر شلاتين وأبورماد وتتصل حلايب ببورتسودان بطريق بري غير مسفلت وتبلغ المسافة من السويس - لايب - بور تسودان حوالي 10485 كم تقريباً وتعد مدينة حلايب البوابة الجنوبية لمصر على ساحل البحر الأحمر وتظل الوظيفة الرائدة لها تقديم الخدمات الجمركية للعابرين إلى الحدود السودانية بالإضافة إلى الأنشطة التجارية المصاحبة لذلك .
- تتمتع منطقة حلايب بأهمية إستراتيجية لدى الجانبين المصري والسوداني حيث تعتبرها مصر عمقاً إستراتيجياً هاماً لها كونها تجعل حدودها الجنوبية على ساحل البحر الأحمر مكشوفة ومعرضة للخطر وهو الأمر الذي يهدد أمنها القومي كما تنظر السودان إلى المنطقة باعتبارها عاملاً هاماً في الحفاظ على وحدة السودان واستقراره السياسي لما تشكله المنطقة من امتداد سياسي وجغرافي لها على ساحل البحر الأحمر، بالإضافة إلى أهميتها التجارية والاقتصادية لكلا البلدين .
- أشارت الدراسات إلى أن خامات المانجنزيت تتوافر بمنطقة حلايب بإحتياطات هائلة مرتفعة الجودة وأثبتت صلاحية الخام لإنتاج كيماويات الماغنسيوم غير العضوية مثل كبريتات وكلوريد الماغنسيوم وهي ضرورية جداً لصناعة المنسوجات كما تجرى حالياً دراسات للإستفادة من هذا الخام لإنتاج حراريات الماغنسيوم بديلاً عن الإستيراد، وكذا انتاج الماغنسيوم الذي يستخدم بشكل كبير في صناعة الأسمدة .
- كما يأتي موضوع إكتشاف البترول ومعادن ثمينة أخرى في حلايب كمحرك لتصعيد النزاع بين الدولتين على هذه المنطقة .
* الجذور التاريخية للنزاع .
إن من يعود إلى التاريخ يجد أن الوجود البريطاني المتزامن في مصر والسودان هو الذي أدى إلى تعيين الخط الحدودي الفاصل بين البلدين وكان ذلك عملاً من نتاج الفكر الإستعماري البريطاني الذي كان يترقب لحظة تفكيك أملاك الدولة العثمانية حيث وقعت إتفاقية السودان بين مصر وبريطانيا في 19 يناير 1899م والتي وقعها عن مصر بطرس غالي وزير خارجيتها في ذلك الحين وعن بريطانيا اللورد كرومر المعتمد البريطاني لدى مصر ونصت المادة الأولى من الإتفاقية على أن الحد الفاصل بين مصر والسودان هو خط عرض 22 درجة شمالاً وما لبث أن أدخل على هذا الخط بعض التعديلات الإدارية بقرار من وزير الداخلية المصري بدعوى كان مضمونها منح التسهيلات الإدارية لتحركات أفراد قبائل البشارية السودانية والعبابدة المصرية على جانب الخط الحدودي وقد أفرزت التعديلات ما يسمى بمشكلة حلايب وشلاتين .
تشير المراجع التاريخية إلى أن المرة الأولى التي أثير فيها النزاع الحدودي بين مصر والسودان حول حلايب كان في يناير عام 1958م عندما أرسلت الحكومة المصرية مذكرة إلى الحكومة السودانية إعترضت فيها على قانون الإنتخابات الجديد الذي أصدره السودان في 27 فبراير 1958م  وأشارت المذكرة إلى أن القانون خالف إتفاقية 1899م بشأن الحدود المشتركة إذ أدخل المنطقة الواقعة شمال مدينة وادي حلفا والمنطقة المحيطة بحلايب وشلاتين على سواحل البحر الأحمر ضمن الدوائر الإنتخابية السودانية وطالبت حينها مصر بحقها في هذه المناطق التي يقوم السودان بإدارتها شمال خط عرض 22 درجة وكانت هذه هي المرة الأولى التي أعلن فيها نزاع على الحدود بين البلدين .
* الحجج والأسانيد التي يعتمد عليها البلدان في نزاعهما تجاه المنطقة .
أولاً : الحجج والأسانيد التي يعتمد عليها السودان في إثبات أحقيته للمنطقة .
1- أن السودان قد تمكن فعلياً من حيازة هذه المناطق إذ ظل يديرها منذ إجراء التعديلات الإدارية على خط الحدود الذي أنشأه إتفاق 19 يناير عام 1899م كما أنه قد مارس السيادة الفعلية عليها .
2- أن مصر قبلت هذا الوضع لسنوات طويلة ولم تعترض عليه طيلة الفترة التي سبقت الإستقلال الدولي في الأول من يناير 1956م وهذا الموقف وفق مصادر القانون الدولي يمثل سنداً قوياً للسودان للتمسك بالمناطق المذكورة تأسيساً على فكرة التقادم التي تقوم على مبدأ الحيازة الفعلية وغير المنقطعة من جانب وعدم وجود معارضة لهذه الحيازة من جانب آخر .
3- كما أن مبدأ المحافظة على الحدود الموروثة منذ عهد الإستعمار هو سبب آخر إعتمده السودان لإثبات أحقيته للمنطقة فقد ورث السودان حدوده الحالية ومنها حدوده الشمالية مع مصر وتشير المصادر إلى أن عدداً من المنظمات الدولية والإقليمية ومنها منظمة الوحدة الإفريقية ضمنت في مواثيقها إشارات إلى إقرار و إستمرار نفس الحدود المتعارف عليها أثناء فترة الاستعمار ووفق المصادر نفسها فإن مؤتمر الرؤساء والقادة الأفارقة الذي عقد في القاهرة عام 1964م قد أقر هذا المبدأ .
4- وأخيراً فإن وجهة النظر السودانية الخاصة بالنزاع الحدودي ومحاولة إثبات أحقية السودان في حلايب كانت تشير إلى أن إعتراف مصر بالسودان كدولة مستقلة ذات سيادة عام 1956م لم يتضمن أية تحفظات بشأن الحدود .
*الحجج والأسانيد التي تعتمد عليها مصر في إثبات أحقيتها للمنطقة .
1- تؤكد مصر بأن التعديلات الإدارية التي جرت على الحدود المشتركة بينها وبين السودان تمت من الناحية الرسمية لأغراض التيسير للقبائل التي تعيش على جانبي خط الحدود وهي لا تزيد عن كونها مجرد قرارات إدارية عادية صدرت إستجابة لرغبات المسئولين المحليين في المناطق المتنازع عليها وإقتصر أثرها على هذاالدور فقط .
2- تشير مصر إلى أنها لم تبرم أية معاهدات أو إتفاقيات دولية سواء بين مصر وبريطانيا أو بين السودان ومصر في جميع المراحل الزمنية والتاريخية لإضفاء صفة دولية على التعديلات الحدودية الإدارية .
3- ترفض مصر القول بأنها قد تنازلت بموجب التعديلات المذكورة عن سيادتها على المناطق المتنازع عليها والتي تقع شمال خط العرض 22 درجة فمصر وفق المصادر كانت خاضعة لسيادة الباب العالي وكانت ممنوعة بموجب ذلك من التنازل أو حتى من بيع أو رهن أي جزء من أراضيها إلا من خلال موافقة صريحة من الدولة العثمانية ولذلك فهي لم تستطع الإحتجاج بالنسبة للحدود مع السودان .
4- تذهب الدفوعات المصرية إلى أن فكرة التقادم التي يدفع بها السودان ليس مقطوعاً بها وبصحتها تماماً من قبل القانون الدولي وهي مرفوضة من قبل الجانب المصري فضلاً عن أن المدة الزمنية وفق نفس وجهة النظر حول التقادم هي محل إختلاف .
5- وفقاً لما سبق ترى مصر أن السودان يتمسك بتقادمه بمنطقة محدودة بينما السودان ما زال يدعي بالإقليم إذ كان تابعاً للسيادة المصرية وبهذا فهي تستخدم هذا السند ليس للإستحواذ على السودان بل لدفع حجة التقادم وإسقاطها .
* حلايب و شلاتين قضية موسمية تبرز وتختفي على خلفيات سياسية .
رغم هذا التباين في وجهات النظر بين الجانبين المصري والسوداني حول أحقية كل منهما للسيادة على هذه المنطقة فإن أي من البلدين لم يتخذ خطوة واحدة نحو محكمة العدل الدولية كما حرص البلدان على إستمرار العلاقات الأخوية والروابط التاريخية بين الشعبين الجارين وذلك من خلال اللجوء إلى الوسائل السياسية والقنوات الدبلوماسية لحل النزاع فبرغم قدم مشكلة حلايب بين مصر والسودان إلا أنها في جميع مراحلها التاريخية لم تبلغ مرحلة المواجهة العسكرية بين البلدين ولا تثار هذه المشكلة وتبرز إلى السطح إلا حين يعمد أحد البلدان إلى إثارتها على خلفية تباين سياسي بين البلدين .
يونيو 1993م عاد النزاع بين البلدين على هذه المنطقة إثر تدهور العلاقات السياسية بين القاهرة والخرطوم بعد أن إتهمت مصر الحكومة السودانية بدعم المتطرفين على أراضيها وفي الوقت نفسه إتخذت الحكومة السودانية عدداً من الإجرأت تجاه مصر تمثلت في ضم مدارس البعثة التعليمية المصرية إلى وزارة التعليم السودانية كما تم إغلاق فرع جامعة القاهرة في الخرطوم وتحويله إلى جامعة سودانية حملت إسم جامعة النيلين وتم مصادرة الإستراحات التابعة لوزارة الري المصرية في السودان وبالإضافة إلى ذلك فقد أعلنت الحكومة السودانية حالة التعبئة العامة ضد ما أسمته بالتهديدات المصرية في حلايب من خلال هيئة الدفاع عن العقيدة والوطن كما نظمت عدداً من المسيرات في المدن السودانية للتنديد بالسياسة المصرية وإتهمت الحكومة السودانية مصر بإفشال مفاوضات أبوجا بين وفد الحكومة السودانية وجون قرنق في إبريل 1993م .
تصاعدت الأزمة بين البلدين عام 1995م بعد محاولة الإغتيال التي تعرض لها الرئيس المصري مبارك إثر وصوله إلى أديس أبابا لحضور القمة الإفريقية حيث أشارت بعض المصادر إلى تورط عدد من العناصر المرتبطة بالجبهة الإسلامية في السودان في هذه المحاولة ونجم عن ذلك تدهور جديد في العلاقات المصرية السودانية إستمر لعدة سنوات .
ثم ما لبثت تلك العلاقات أن شهدت تحسناً ملحوظاً بعد الزيارة التي قام بها الرئيس السوداني عمر البشير للقاهرة يومي 22 - 23 ديسمبر 1999م تلبية لدعوة من الرئيس مبارك حيث قرر الرئيسان تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين والدفع بها إلى مستويات أفضل وذلك من خلال .
1- تبادل السفراء بين القاهرة والخرطوم .
2- عودة الملاحة النهرية بين السودان ووادي حلفا .
3- تكوين لجان مشتركة بين البلدين لتسوية مشكلاتهما ودفع التعاون في المجالات الأمنية والسياسية والإقتصادية والتعليمية بالإضافة إلى تبادل الزيارات الرسمية بين مسئولي البلدين .
4- تصريحات القيادة المصرية برفض مصر أية تهديدات تمس أمن السودان ووحدته .
5- ترحيب القيادة السودانية بالدور المصري في حل مشكلة الجنوب والنزاع الدائر بين الحكومة والمعارضة .
6- في شأن مسألة حلايب إتفق الرئيسان على ضرورة حلها في إطار أخوي والعمل على إتخاذ كافة الإجراءات المناسبة لتحويل منطقة حلايب إلى منطقة للتكامل بين البلدين .
وأكد الرئيس السوداني أن مشكلة حلايب لن تقف حائلاً دون عودة العلاقات مع مصر إلى مجراها الطبيعي كما علق وزير الداخلية السوداني على هذه القضية بقوله قضية حلايب تبرز إلى السطح عندما تكون العلاقات بين مصر والسودان في حالة من التوتر الشديد  وأعتقد أن هذه القضية ليست مشكلة في حد ذاتها وأنه يمكن الوصول إلى صيغة من التفاهم والمعالجة كما هو الحال بين دول الجوار ونحن في السودان على إستعداد للقبول بأية صيغة من صيغ الحل .
قد برزت الأزمة بين البلدين حول المنطقة للمرة الثالثة في أغسطس 2002م حين طالبت الخرطوم من القاهرة المشاركة في الجولة الثانية من مفاوضات ماشاكوس فرفضت مصر إحتجاجاً على الجولة الأولى وإنتظرت الخرطوم أن ترد القاهرة على خطة سودانية بشأن حلايب فتأخر الرد المصري ونتج عن ذلك إعلان السودان عن تمسكها بالمنطقة .
وكان الرئيس السوداني عمر البشير قد صرح لصحيفة الوطن القطرية في 17- 8- 2002م بأن منطقة حلايب وشلاتين هي أرض سودانية مشدداً على أن بلاده لن تتنازل أبداً عن المطالبة بها وأوضح أن الخرطوم جددت المطالبة بها قبل أشهر قليلة أمام مجلس الأمن الدولي .
وبعد أن قال البشير : "إن الخرطوم لن تتنازل أبداً عن حلايب وشلاتين عاد وزير خارجيته مصطفى عثمان ليؤكد على عمق العلاقات مع مصر وأن الرئيس السوداني عمر البشير عندما أعلن لصحيفة الوطن القطرية والصحافة السودانية أن حلايب سودانية كان يطرح ذلك من منطلق فكرة أن تكون حلايب منطقة تكامل بين مصر والسودان وأكد عثمان أن حلايب لن تعكر صفو العلاقات بين البلدين وأن هناك تفاهماً بين البلدين على حل هذه المشكلة من خلال الحوار كما أعلنت السفارة السودانية بالقاهرة في بيان أصدرته بتاريخ 18-8-2002م أن الخرطوم لم تجدد مطالبتها لمجلس الأمن ببحث قضية حلايب مثلما أشارت إلى ذلك بعض التقارير وجاء في البيان " إن مشكلة حلايب ليست وليدة عهد ثورة الإنقاذ وإنما ترجع لعام 1958م وأن إدراجها في مجلس الأمن تم منذ ذلك التاريخ وظلت طوال هذه الفترة تجدد تلقائياً عند مراجعة مجلس الأمن لجدول أعماله "
حول موقف السودان من الموقف المصري الغاضب بسبب تهميش وجهة النظر المصرية من إتفاق ماشاكوس الذي وقعته الحكومة السودانية مع حركة جيش تحرير السودان في 20-7-2002م قال الرئيس السوداني: " لم يحدث أي نوع من التهميش لمصر لكن مرحلة التفاوض تخصنا ونحن لا نستأذن أحداً في إتفاق يخص السودان .
* الموقف الأمريكي .
لقد جاء النزاع المصري السوداني على منطقة حلايب ليمثل نقطة ساخنة سانحة للولايات المتحدة الأمريكية في إثارة النزاع وممارسة الضغوط على السودان وذلك بهدف الضغط على مصر نتيجة لمواقفها ( الظاهرية ) الأخيرة المؤيدة للإنتفاضة الفلسطينية والمتشددة بالرفض للسياسة الأمريكية الهادفة إلى ضرب العراق هذا بالإضافة إلى قيام مصر بإصدار حكم بالسجن للناشط في مجال حقوق الإنسان سعد الدين إبراهيم والذي يحمل الجنسيتين المصرية والأمريكية وهو الأمر الذي أثار غضب الولايات المتحدة الأمريكية تجاه مصر وخلق لديها رغبة كبيرة في توتير النزاع بين مصر والسودان وهو ما أكده وزير الخارجية السوداني بقوله : " إن هناك قوى تدفع بقضية حلايب للإساءة إلى العلاقات بين مصر والسودان " ، ولكنه لم يحدد من هي هذه القوى !! إلا أن الملحق الإعلامي السوداني بالقاهرة الخاتم عبد الله قال " إن هذه القوى التي يقصدها وزير الخارجية هي أمريكا التي تشن حالياً حملة ضد مصر "
فالمصلحة الأمريكية أكبر من أن تترك علاقات البلدين تنمو وتزدهر وخصوصاً أن العلاقات بين مصر والسودان تتسم بقدر كبير من الحساسية .
- حساسية القاهرة من كل ما يمس أمنها القومي .
-حساسية السودان مما يعتبرونه تعالياً من مصر عليهم وتدخل مصر في كل شئونهم منذ الإستقلال بشكل يدفع أي طرف للرد بقوة على أي تصريح من الطرف الآخر لا يقبله .
ليس الحديث عن التدخل الأمريكي تخميناً فقد كشف المبعوث الأمريكي للسودان جون دانفورث عن حجم الإهتمام الأمريكي الكبير بالسودان بقوله " ان السودان لم يطلب تدخل الولايات المتحدة الأمريكية لحل مشكلة الجنوب ولكن الولايات المتحدة الأمريكية هي التي تدخلت دون أن يطلب أحد منها " وأشار إلى أن الرئيس بوش أكد له ان السودان لو تمكن من حل مشاكله فإن أي مكان آخر في العالم سوف يتمكن من حل مشاكله .
هل تعي مصر والسودان خطورة التدخل الأمريكي في شؤونهما وتتجهان إلى المصالحة في إطار البيت العربي بحيث تصبح حلايب منطقة تكامل بين البلدين الجارين ؟؟؟؟!!!!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق