السبت، 29 أكتوبر 2011

يسري فودة يكتب قبل أن يكون حقاً.. «آخر كلام


بادرنى اللواء إسماعيل عتمان باتصال هاتفى بعد ظهر الثلاثاء 11 أكتوبر الماضى، امتد أكثر من ساعة، حمل لى أثناءها تقريباً كل ما جاء، بعد ذلك بأربع وعشرين ساعة، فى المؤتمر الصحفى الذى شرح فيه المجلس العسكرى وجهة نظره فى أحداث الأحد الدامى.. أحداث ماسبيرو.
كان الرجل، كعادته، بسيطاً ودوداً، وبين يديه ما بدا عتاباً: «إحنا زعلناك فى حاجة يا راجل؟».. لم أفهم تماماً مقصده، وإن كان ذهنى أخذنى لأول وهلة إلى حلقة الليلة السابقة من «آخر كلام» التى، فى سياقها، فرضت الحقائق نفسها إدانة لموقف ماسبيرو من أحداث ماسبيرو.
ورغم أن حديث أى مصدر عن أى شىء مع أى صحفى قابل للنشر، إلا إذا طلب المصدر بصورة واضحة عدم النشر، فإننى - إمعاناً فى التيقن - أطبق القاعدة العكسية فى معظم الوقت: إن كل محادثة غير قابلة للنشر إلا بإذن. ومن ثم سأتعرض هنا فقط لما اختار اللواء عتمان، من حديثه معى أثناء ذلك الاتصال، أن يكرره بنفسه على الملأ فى مناسبات لاحقة.
كان من الواضح أن الحديث وصل بنا بعد جدال طويل إلى طريق مسدود، فهو يحيى تغطية تليفزيون الدولة بلا تحفظ، وأنا أنتقدها بلا تحفظ. هو يرى أن التليفزيون فعل شيئاً لم يفعله قبل ذلك عندما تقرر له أن يبث ما كان يحدث على الهواء مباشرة. وأنا أرى - رغم أن هذا صحيح، على الأقل فى جانب من جوانب الصورة - أن ما صاحب الصورة من تعليقات، شفوية ومكتوبة، كان العنصر الحاسم، وإلا لماذا اقتحمت الشرطة العسكرية برشاشاتها فى مشهد درامى استوديوهات قناتين أخريين لا تخضعان لسيطرة ماسبيرو لمنعهما من بث المشهد نفسه على الهواء؟
هناك مبدأ صغير فى صناعتنا يقول: «إن كنت تخشى من الكاميرا فلابد أن لديك ما تخشاه». وهناك مبدأ كبير فى الدنيا وفى الدين يقول: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون». وبين هذا وذاك مبدأ يساعدنا على الاستمرار فى العيش معاً: إن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية. لكن الاختلاف فى هذه الحالة هو فقط أحد تجليات فجوة فى الرؤية كانت قد بدأت فى الاتساع على مدى الشهور القليلة الماضية.
فجوة فى الرؤية
اجتمع عدد من الأسباب على إفساح المجال أمام هذه الفجوة كى تتعمق، من أهمها: أولاً، أن الحياة المدنية تسير أفقياً فى إطار من الأخذ والرد، بينما تسير الحياة العسكرية رأسياً فى إطار من الأمر والطاعة. وثانياً، أن رسالة المجلس العسكرى لم تصل إلى الناس، ليس لنقص فى الخبرة بالشؤون المدنية وحسب، بل لأن الرسالة تفقد نصف مفعولها قبل أن تبدأ إذا لم يستطع مرسلها سلفاً تحديد الجمهور المستهدف بدقة. وأكاد أجزم أن كل مسؤول عسكرى تحدث إلينا حتى الآن كان موزعاً، فى ذهنه وفى لسانه، بين جمهور الشارع وجمهور الثكنات. ولا يمكن انتظار تأثير فاعل لرسالة واحدة تتوجه إلى جمهورين مختلفين إلى هذا الحد. ومن ثم أزعم أن هذه رسالة مفقودة حتماً فى ثنايا الجمع بين مستحيل النقيضين: لين الأخذ والرد مع المدنى الذى يتوقع أحياناً اعتذاراً عن خطأ، من ناحية، وحزم الأمر والطاعة مع العسكرى الذى يتوقع دائماً أن قائده منزه عن الخطأ، من ناحية أخرى.
و ثالثاً، أن تعاقب الأيام والأسابيع والشهور، بينما تمر الأطراف جميعها بعملية تعلم قاسية فى معظم الأحيان، ألقى بنا جميعاً - ومن بيننا المجلس العسكرى - إلى حالة من الإرهاق الجسدى والذهنى والعصبى كانت لها نتائج. من بين هذه النتائج، فى حالة المجلس العسكرى، جنوحه إلى تغيير مسار التعاطى مع الموقف، الذى كان قد سلكه فى البداية، إلى مسار يبدو له أقصر وأكثر سهولة، وربما أيضاً ساهمت طبيعته العسكرية البحتة فى هذا الجنوح.
تجليات مسار جديد
كان من تجليات هذا المسار، أولاً، نشوء جفوة بين المجلس العسكرى من ناحية والنخبة الأقرب إلى ضمير الوطن من الساسة والمثقفين والنشطاء والإعلاميين بعد مرحلة ثرية واعدة من الحوار، المعلن وغير المعلن. وكان لابد أن تنشأ عن هذه الجفوة فجوة، وهى فجوة لا يمكن أن تبقى فارغة، وهى فجوة لا يملؤها عادةً إلا المنافقون وأصحاب المصلحة الخاصة. وهو ما أضاع على المجلس «مستشاراً» صادقاً وإن كان متعباً، وأكسبه «مستشاراً» مريحاً وإن كان لا يمثل إلا نفسه.
وثانياً، ساهم هذا فى تشكيل طريقة جديدة قديمة تؤمن بأنه «إذا لم تكن الكاميرا هناك فإن شيئاً لم يحدث».. طريقة تبدو أقصر وأسهل تؤمن بمعالجة الأمور إعلامياً وحسب، لأن الإعلام فى نظرها يمكن أن ينفى واقعاً موجوداً على الأرض كما يمكن أن يخترع واقعاً لا وجود له، وهكذا تتبخر المشاكل. ومن نوافل القول أنها نظرية أكل عليها الدهر وشرب، والأهم من هذا أنها أثبتت ضررها بجميع أطراف المجتمع، حاكماً ومحكوماً.
الجديد هذه المرة، والمثير للمفارقة فى الوقت نفسه، أن «الكاميرا كانت هناك»، فى أحداث ماسبيرو وفى غيرها، وكان علينا رغم ذلك أن نقتنع بأن شيئاً لم يحدث، وبأنه إن كانت هناك مشكلة فهى فى الواقع ليست تلك التى تراها بأم عينيك الآن وتسمعها بأبى أذنيك.
عبرة «قناة الجزيرة»
هكذا يراد لنا أن نعود إلى الوراء خمسة عشر عاماً على الأقل عندما ظهرت قناة الجزيرة لأول مرة، وقتها اضطررنا إلى المرور بثلاث مراحل قبل أن تبدأ الفكرة فى الوصول إلى أذهان الأنظمة العربية. كانت المرحلة الأولى صدمة مباشرة أسفرت عن تحرك سياسى مكثف اتخذ أشكالاً مختلفة، من بينها إرسال الوزراء والمبعوثين إلى الدوحة «لتعقيل» أميرها الجديد، ثم سحب السفراء منها للضغط عليه، ولما لم تفلح هذه المحاولات انتقلنا إلى المرحلة الثانية، وهى مرحلة تكسير العظام، والضرب تحت الحزام أحياناً، ومن تجلياتها إغلاق مكاتب الجزيرة وتوقيف مراسليها وشن حملات مسمومة فى وسائل الإعلام المحلية والدولية، ولما لم تفلح هذه ولا تلك انتقلنا إلى المرحلة الثالثة، وهى مرحلة «إن لم تستطع أن تغلبهم انضم إليهم». وينبغى أن نضيف إلى هذا العنوان جملة أخرى: «ولكن لا تصدق نفسك كثيراً.»
ورغم ذلك، فقد كان وصول الأنظمة العربية، ولو مضطرة صاغرة غير صادقة، إلى هذه المرحلة الثالثة إيذاناً بانطلاقة أزعم أنها علامة فارقة ليس فى تاريخ الإعلام وحسب، بل فى الحياة اليومية للمواطن العربى من المحيط إلى الخليج. ذلك أن الناس عادةً لا تفتقد ما لا تعرف. الآن هم يعرفون، لخمس عشرة سنة يعرفون، والآن هم إذا فقدوا سيفتقدون، وحين يفتقدون سيفعلون كل ما فى وسعهم للحصول على ما فقدوه بأى وسيلة كانت. إن تجربة الحرية، بمعنى من المعانى، تشبه تجربة الموت. نعم، يمكنك أن تزور الموت، ولكن لا يمكنك الرجوع. وكذلك الحرية.
لا آل سعود بكل ما أوتوا من مال ومن نفوذ، ولا نظام مبارك بكل ما أوتى من حيل ومن بلطجية، ولا الأنظمة العربية كلها مجتمعة استطاعت أن تقف فى وجه هذا الطوفان الذى يمكن تلخيصه فى كلمتين: حتميات العصر. لكن فى مصر الآن من يبدو أنه لم يستوعب هذا الدرس الكبير. فى مصر الآن من يبدو أنه لا يعلم أن فى استطاعة أى هاوٍ إطلاق خمس قنوات فضائية من جهاز كمبيوتر متنقل من غرفة النوم، فى مصر الآن من يبدو أنه لا يفهم أن رسائل «بى بى إم» القصيرة أشعلت خمس مدن فى بريطانيا فى لحظة واحدة قبل أسابيع قليلة. فى مصر الآن من لا يدرك أن فى مصر الآن جيلاً جديداً ملماً بحتميات العصر متذوقاً حلاوة الإرادة والحرية. فى مصر الأن، ببساطة، من لم يدرك بعد أن فى مصر ثورة.
هذا هو المناخ العام الذى بدأ يفرض نفسه من جديد على مدى الشهور القليلة الماضية منذ إصبع اللواء محسن الفنجرى، وقد كان له ما كان من التقدير فى قلوب أسر الشهداء وفى قلوبنا جميعاً، مروراً بما نعرفه جميعاً من إيقاف واستدعاء وإنذار وتخويف وتشويه وتدجين وإغراء ومحاباة، وصولاً فى نهاية المطاف إلى اقتحام وغلق وإرهاب بالرشاشات على الهواء. ويكون الأمر سهلاً أمام حقيقة أن مصر موزعة إعلامياً بين ما يتبع الدولة، وهو فى قبضة الحاكم بصورة مباشرة، وما يتبع القطاع الخاص، وهو أيضاً فى قبضته وإن كان بصورة غير مباشرة مشوقة فى كثير من جوانبها.
هشاشة الإعلام الخاص
تسمح الأنظمة العربية، خاصة فى مصر، لنفسها بهذا الافتراض الذهنى: «أنك إذا استطعت أن تجمع مالاً ونحن فى الحكم فأنت مدين لنا»، شىء أشبه بإتاوة فتوة الحارة، وإن كانت إتاوة فى دفتر مفتوح إلى ما لا نهاية يدفعها فى الواقع غلابة الحارة، ولأن علاقة أصحاب السلطة بأصحاب المال أكثر تعقيداً من هذا بكثير، خاصة فى مصر، فإننى لا أرى أن من واجبى أن أدافع عن هذا ولا عن ذاك وأنا لا أدرى تماماً دهاليز العلاقة. وإنما - مثلى مثل كثير من زملائى - يعنينى فقط ما يمس قدرتى كمواطن وكإعلامى على استثمار فرصة أتيحت أمامنا عندما فرضت «حتميات العصر» على السلطة أن تسمح ببعض النوافذ الإعلامية من خلال مجموعة من رجال الأعمال. ومثلى مثل كثير من زملائى، لا يهمنى فى هذا «الفرح» كله إلا أن أكون قادراً على القيام بواجبى أمام الله وأمام الوطن.
يفرض هذا الواجب، أول ما يفرض، على النفس اعترافاً مبدئياً: أننا أمام نظام إعلامى هش، تبلغ هشاشته فى بعض الأحيان حداً مضحكاً مبكياً فى آنٍ معاً. وهو أيضاً نظام يجعل مما هو مفترض أن يكون الحد الأدنى من الأمانة المهنية - مثل تغطيتنا لأحداث جمعة الغضب يوم 28 يناير - عملاً أقرب إلى أعمال الانتحار الجماعى على قارعة الطريق. كما يفرض هذا الواجب على النفس اعترافاً آخر: أننا إذا كنا فى الإعلام الخاص متضررين من هشاشة الوضع، فإن زملاءنا فيما يعرف بإعلام الدولة ضحايا.
وبطبيعة الحال، فإن جزراً من ألوان مختلفة توجد فى داخل كل من هذين النمطين بما يصعب معه التعميم. لكننا نتحدث عن نمطين عريضين على أى حال، وما يهمنا هنا هو أن المجلس العسكرى بقى قريباً من الشارع ما بقى قريباً من جزر بعينها فى النمطين، خاصة فى نمط الإعلام الخاص. لكن هذا الإعلام الخاص تحول فى إطار المناخ المشار إليه سلفاً، من وجهة نظر المجلس العسكرى، إلى شىء أقرب إلى العبء منه إلى الذخر، أو حتى منه إلى مجرد المعبر. وترافق ذلك مع وتيرة متصاعدة من الضغوط التى اتخذت أشكالاً مختلفة وأساليب متنوعة، بعضها موروث وبعضها الآخر مبتكر، وإن كانت جميعاً تعمد إلى توفير ما يكفى من الدوافع لدى الإعلامى فى نهاية السلسلة كى يتطوع بممارسة المزيد من الرقابة الذاتية.
تفرق إيه يعنى؟
ماذا إذن حدث تحديداً فأدى إلى إلغاء حلقة «آخر كلام» مع الكاتبين الكبيرين، علاء الأسوانى وإبراهيم عيسى؟.. يسألنى الناس. بعد هذا كله يسألنى الناس؟ ورغم تقديرى الشديد لشغف الناس بالتفاصيل فإننى أشعر أحياناً برغبة كوميدية سوداء فى أن أخبط رأسى فى الحائط وأنا أصيح: «تفرق إيه يعنى؟.. تفرق إيه يعنى لو أن زيداً، مش عمرواً، هو الذى اقترح؟ تفرق إيه يعنى لو أن تليفوناً، مش اجتماعاً، كان السبب؟ تفرق إيه يعنى لو أن شبرا، مش مصر الجديدة، كانت مسرحاً للحديث؟»، الذى يفرق عندى، أولاً، أن يدرك الناس حقيقة أن وقف برنامج كهذا لم يكن قراراً سهلاً، وثانياً، أن المشكلة الرئيسية ليست بالضرورة فى أشخاص وإنما فى نظام كامل.
وكى تستريح القلوب، دعونى أبسط أمامكم هذه الحقائق: أولاً، أنا الذى اتخذ قراراً بوقف الحلقة وتعليق البرنامج إلى أجل غير مسمى. ثانياً، أننى اتخذت هذا القرار لأن ثمة ما دفعنى إليه، وما دفعنى إليه هو إدراكى حقيقة أن ثمة حداً أقصى لممارسة الرقابة الذاتية، وإلا فقد الرجل احترامه لذاته ولجمهوره ولمهنته ولوطنه. وثالثاً، أن الضغوط لم تأت من إدارة قناة «أون تى فى»، وإنما من المجلس العسكرى، بل إن إدارة القناة، ممثلة فى الزميلين ألبرت شفيق ويوسف شكرى، بقيت حتى آخر لحظة تحاول إقناعى بالاستمرار، أمام إصرار منى على تجنيب القناة حرج ضغوط إضافية. رابعاً، أن إصرارى على قرارى لم يكن الهدف منه أبداً إثبات بطولة فارغة أو إلقاء «كرسى فى الكلوب». خامساً، أننى كنت فى حاجة إلى عزل نفسى عن القناة، ولو مؤقتاً، كى لا تتحمل القناة عبء ما قررت أنه صار من واجبى أن أتعرض له كمواطن وكإعلامى.
وأخيراً، لم يكن لقرارى هذا أى علاقة من قريب أو من بعيد بظهور عضوى المجلس العسكرى، اللواء محمد العصار واللواء محمود حجازى، فى برنامج غير برنامجى أو على قناة غير قناتى كما أراد البعض أن يشوه الهدف، عن حسن نية أو عن غير ذلك. فعلى حد علمى أنا الصحفى الوحيد الذى استأذن فى إلغاء مشروع حلقة كان متفقاً عليها مع أعضاء فى المجلس العسكرى، قبل ذلك، عندما أدركت أنها لن تخضع للحد الأدنى مما أراه شروطاً مهنية، مع كامل احترامى لأعضاء المجلس واعتزازى بالزميلين إبراهيم عيسى ومنى الشاذلى. أنا أيضاً الذى التمس من «أون تى فى» أن تذيع حلقة معادة من برنامجى الذى كان سيذاع على الهواء فى نفس توقيت لقاء المجلس العسكرى مع «منى» و«إبراهيم»، بل إننى دعوت أصدقائى على «فيس بوك» و«تويتر» لمتابعة هذا اللقاء، لأنه ببساطة حدث يعلو فوق أى منافسة.
أما فيما يخص اتصال اللواء إسماعيل عتمان على الهواء، بعد ذلك بيومين، بزميلتى العزيزة ريم ماجد، فإن ما بينه وبيننا، نحن الإعلاميين، من علاقة مهنية تكسوها بساطة الريف المصرى بما فيه من أصالة وعشم، يسمح لى بأن أبعث إليه بهذه الابتسامة التى لم أستطع مقاومتها عندما شعرت كأننى «عيّل تايه» وهو ينادى عبر الأثير: «عُد يا يسرى.. نحن فى حاجة إليك». ولكن، من منطلق أكثر جدية، لم أكن أتمنى أن يلخص المسألة برمتها فى احتمال وجود خلاف بينى والقناة، بينما يستبعد تماماً، ولو من باب الاحتمال، اختلافاً فى وجهات النظر أو فى تقدير المواقف مع المجلس العسكرى. وهذا، فى حد ذاته، مؤشر آخر إلى طبيعة تلك الفجوة التى أشرنا إليها سلفاً فى هذا المقال.
خلاصة القصة
ببساطة، كنت أتمنى - ومازلت أتمنى - أن يفتح اضطرارى إلى خنق برنامجى بيدىّ باباً إلى غرفة هادئة مضيئة لها نافذتان. النافذة الأولى تطل على المجلس العسكرى بمجموعة من الرسائل من أهمها، أولاً، أنه لن يحمى الوطن، خاصة فى أوقات الأزمات، شىء قدر إعلام حر صادق قوى، ولنا فى الفارق بين إعلام 67 وإعلام 73 عظة كبرى، وأن لهذا الإعلام دوراً مهماً، إن لم يكن حاسماً، فى هذه اللحظات وفى مستقبل قريب واعد منذر فى آنٍ معاً. وثانياً، أن مصر الآن لا تتحمل غياب القدرة على استيعاب درس إعلامى ضخم لم يستطع الرئيس المخلوع استيعابه فى زمنه، وأنه سقط فى نهاية المطاف لأنه فضل الطريق الأسهل، ولأنه آمن باللافعل. وثالثاً، أن الوسائل المتاحة فى عالم اليوم، أمام جيل صنع ثورة، لا تعد ولا تحصى، وخير لنا جميعاً أن نحتضن «حتميات العصر» قبل أن تدوس هى علينا بامتهان.
أما النافذة الثانية فتطل علينا - نحن الإعلاميين - بفرصة للتأمل. نحن أصحاب الإعلام، ولا أحد غيرنا صاحبه. لا السلطة ولا حتى صاحب القناة أو الجريدة، نحن أصحابه، هذه حقيقة بسيطة بديهية لكنها تتوه منا كثيراً وسط الزحام. ومن واجبنا، تجاه أنفسنا وتجاه الوطن، وفوق هذا وذاك، تجاه الله، أن نقول الحق ولو كان الثمن أرزاقنا وأعناقنا. أقارن زماننا - وفيه ما فيه من بدائل لا حصر لها تجعلنا محظوظين مدللين - بأزمنة جاهد فيها أسلاف لنا ولم يكن أمامهم من بديل. أقارن ما نحن فيه بما أحاط محمود عوض، على سبيل المثال، من ظلام، فلا جوجل ولا إيميل ولا بلاك بيرى ولا آيباد ولا هاتف ولا فضائيات ولا غيره، وأرى نتاج يديه فى الستينيات والسبعينيات متفوقاً بصورة مدهشة على كثير من نتاج اليوم. أراه وقد أحاط به ما أحاطه من ظلم فى الثمانينيات والتسعينيات، من السلطة ومن منافقيها، فلم يكن ذلك إلا وقوداً إضافياً ملك به زمام أمره بيديه فاحتفظ باحترامه لذاته ولجمهوره ولوطنه فانتصر، وحين مات كان قد عاش.
هذا إعلامنا ونحن أصحابه، ومما يبعث فى النفس أملاً أن بعضاً منا بدأ يدرك ذلك عملياً فبدأ التفكير فى الأيام القليلة الماضية فى مجموعة من المبادرات، من بينها مبادرة لإطلاق قناة يملكها الشعب، عن طريق الاكتتاب المباشر، يشارك فى حمل لوائها الزميل العزيز بلال فضل مع مجموعة من الزملاء المحترفين الوطنيين. ومبادرة أخرى، أشارك مع الزملاء فى حمل لوائها مثلما أشارك فى مشروع القناة، تهدف إلى خلق جبهة وطنية دائمة لحماية الإعلام الحر، وتكون لها باتفاق أعضائها من الإعلاميين أسنان تضمن هذه الحماية. هذه المبادرات ليست موجهة ضد أحد، بل إن من شأنها شد أزر ما لدينا من إيجابيات ومن بدائل، ومساعدة الجميع على استيعاب حقيقة أن عصراً جديداً لا تصلح معه الأساليب القديمة.
هل أعود بعد هذا إلى «آخر كلام»... نعم أعود.
انته

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق