الجمعة، 7 سبتمبر 2012

الداعية والفنانة .. والسب المقدس




إنتابت الكثيرين صدمة بعدما سمعوا كلام د.عبد الله بدر أحد رجال الدين المسلمين والحاصل على درجة الدكتوراة في التفسير من الأزهر الشريف وهو يسب السيدة إلهام شاهين ويتهمها بالزنا ثم يلجأ لتبرير ذلك بأن أبا بكر قد قال لرجل: امصص بظر اللات.
فمن ناحية اعتبر البعض كوّن داعية يسب فنانة ويتهمها بالزنا هو عمل مشين، والبعض الآخر اعتبر نسبة السب إلى أبي بكر جريمة تستوجب العقاب.
والحق أن كلا الطرفين يجهل التاريخ الإسلامي ويجهل أيضاً الفكر السلفي النصوصي، فقصة أبي بكر ثابتة وتتناقلها كتب الحديث وربما تنقل ماهو أكبر من ذلك منسوباً إلى النبي في قصة الصحابي ماعز مثلا.
الأزمة من وجهة نظري ليست في كوّن الشيخ سبّاب يغرق مخالفيه بالشتائم ويستخدم الكلمات القرآنية في وصف مخالفيه كالكلب والحمار، ولكن الأزمة الحقيقية في تجاهل نصوص تحض على حسن الخلق لصالح نصوص تحتمل دلالة أخرى بعيدة كل البعد عن السب.
يقول الله تعالى: (قولوا للناس حسنا) وينهى في آية أخرى عن سب المشركين فيقول: (ولاتسبوا الذين يدعون من دون الله) ويقول لموسى وهارون ناصحاً إياهم (اذهبا إلى فرعون وقولا له قولاً لينا)، وفي الحديث: (ليس المؤمن بالسباب ولا اللعان).
الأزمة هنا تتجلى في تجاهل تلك النصوص وانتقاء نصوص بعينها لتبرير الواقع، إنها السياسة أو الهوى حينما يتلاعبان بالنص، حينما يتداخلان لصالح هوى النفس البشرية، حينما يصبح النص القرآني والحديث خادمين وليسا مخدومين، حينما يصبح النص خادماً لأيدولوجية أو لهوى نفس يتحول الإنسان هاهنا إلى جبار يتجاوز كل الخطوط الحمراء في المجتمع مبرراً ذلك عبر اجتزاء النصوص إما عن سياقها وإما اجتزاء النص من واقعه التاريخي.
مشكلة الفكر السلفي تكمن في نزع النصوص من سياقها التاريخي وزرعها في واقع اجتماعي مختلف ومتباين أشد التباين عن واقع تلك النصوص، دون النظر في ضرورات الواقع الجديد ومدى توافق النص مع الواقع من جهة، وماهى أولوية استخدام النص في هذا التوقيت أو ذاك.
فمن ناحية السب فليس بمستنكر تاريخياً إذا ما التجأ الشيخ لكتب التراث وانتزع منها الشتائم بين المذاهب، فليس غريباً على من قرأ بعض كتب الردود بين المذاهب أن يرى وصف أبو حنيفة الإمام بأنه أبو جيفة أو رميه بالزندقة واتهامه بالاستتابة مرتين، فذاك أمر معلوم من التاريخ بالضرورة.
ومن ناحية ثانية، وبغض النظر عن مكانة أبي بكر بين المسلمين، فاستعمال فعل أبي بكر كدلالة على جواز الفعل به خلل واضطراب كبير في الاستشهاد، وبه تجاوز لأبسط قواعد التدليل التاريخية.
أبو بكر صحابي جليل، وصاحب رسول الله، لكن مَنْ أثبت لأبي بكر صفات النبوة في التشريع، لاسيما والتشريع هنا ليس موافقاً للقرآن ولا لصحيح السنة، ومن قال أنه يجب علينا التأسى بكل صفات وأفعال أبي بكر؟
نعود إلى أزمة الفكر السلفي في تقديس النصوص حتى التاريخي منها متجاوزاً الاعتبارات والقواعد التى تحكم وتنظم عملية الاحتكام إلى النصوص وتأويلها.
يلجأ الفكر السلفي إلى اضفاء هالة من القداسة حول النصوص، ويحاول تقديم صورة للنص تكاد تجعله ينطلق بلسانه، رغم أن النص لا ينطق ولكن ينطق به الرجال إلا أنه يضعك بين خيارين (إما\أو) إما أن تقبل النص بالتفسير الشائع لدي أو أن لديك قصور وخلل في اعتقادك.
وهى آفة الأفكار الرجعية والتنظيمات الأصولية. الثنائيات النابعة من النظرة الأحادية للأمور، بغض النظر عن المساحة الرمادية في تفسير أي نص، إلا أنهم يتغاضون عنها لصالح التفسير الداعم للأيدولوجية.
مثلاً في واقعة أبي بكر والتى انفعل فيها دفاعاً عن رسول الله، وقال ما قال من كلمة يستعملها الشيخ ليبرر كلامه ضد الفنانة، تجاوز الشيخ بشرية أبي بكر مستخدماً مكانته التاريخية كدلالة على جواز ما قاله أبي بكر وجواز ماقاله الشيخ، والبشرية هنا تعنى القابلية للخطأ والقابلية للعصيان.
نعم أبو بكر يخطأ ويعصى، ونعم يخطئ الأنبياء أيضاً، بل ويعصون، ألم يسمع الشيخ قول الله "فعصى آدم ربه فغوى" ؟ ألم يقرأ عن بشرية الرسول في قصة تأبير النخل وقوله لأصحابه "أنتم أعلم بشؤون دنياكم"؟
لا أشك أن الشيخ قرأ وعلم وفهم، بيد أن التحيز الأيدولوجي يخفى الكثير من الحقائق لصالح الجماعة أو التنظيم أو حتى الفرد المؤيد للفكر.
عبر حقائق التاريخ أيضاً يمكن للمرء التدليل على جواز الزنا مثلاً كما فعل الصحابي ماعز والمرأة الغامدية وكلاهما رأى رسول الله وثبت صحبتهم لرسول الله، بغض النظر عن كوّن مكانتهم أقل، إلا أن استخدام منطق الشيخ لتبرير سوء الخلق يمكننا من التدليل بفعل الصحابيين على جواز الزنا، متعامين عن النصوص القرآنية الناهية عن الزنا.
إذن التاريخ قابل للتدليل على كل شئ إذا ما أضفيت عليه مسحة القداسة، وانضاف إلى النصوص المقدسة مع توافر الهوى الأيدولوجي عند المفسر يمكن استعمال النصوص التاريخية لتبرير كل الواقع أيدولوجيا.
وهنا تكمن خطورة الفكر السلفي في تجاوز مايختلف مع أفكاري لصالح مايتفق معها، ويستعمل النص كأداة يطوعها المتحيز للفكر كيفما شاء متغاضياً عن احتمالية النص للتأويل من جهة، ومتعامياً عن بعض النصوص التى تفقد النص الذي يحتج به دلالته.
وهنا تقدم العلمانية حلاً يفك الاشتباك بين النصوص وتفسيرها، حيث أولاً ومن منطلق أولي تقدم العقل على النقل، ومن هذا المنطلق لا قداسة لبشر، إنما كل القداسة للنص في صورته الأولية، لا في صورته التفسيرية.
ومن منطلق ثاني تقدم العلمانية رؤية أكثر شمولاً واتساعاً للنصوص، حيث أنها ترفض سلطة الكهنوت، فمن ثمّ فإنها تقبل كل التفسيرات للنص مادام لا يخالف التفسير القواعد والأعراف المتفق عليها في العلوم المنوط بها تحليل الخطاب وتفسير النصوص.
ومن ناحية ثالثة، فإن العلمانية تأبى استعمال النصوص كتبرير للواقع، فإنها تفصل بين ماهو سياسي وبين ماهو ديني، أو بمعنى أدق تفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، فيصبح النص بمنأى عن التلاعب به، ويصبح الواقع عرضة للتحليل العلمي دون اضفاء قداسة عليه.
محمد أبوالعزم
صرير القلم

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق